«قصة الجثث المعروضة في قلب باريس».. عندما تحولت المشرحة إلى معرض يومي للترفيه

قصة الجثث المعروضة في قلب باريس
قصة الجثث المعروضة في قلب باريس


قد لا يخطر ببالك وأنت تتجول في شوارع باريس اليوم، أنها كانت في يوم من الأيام تقدم لزوارها أحد أغرب أنواع الترفيه على الإطلاق، ليس في متحف اللوفر أو حدائق فرساي، بل في مشرحة المدينة، نعم ففي قلب العاصمة الرومانسية، وعلى بعد خطوات من نهر السين، كانت جثث الموتى تعرض خلف زجاج شفاف يوميًا، ليست لغرض طبي أو قانوني، بل كوسيلة لجذب الزوار، ومصدر للدهشة وأحيانًا المتعة.

اقرا أيضأ|قلادة «القلب الملكي» تخطف الأنظار في أسبوع الموضة بباريس

حين كانت باريس تروج لجولات "مشاهدة الموتى"


وفي السياق نفسة القرن التاسع عشر، لم تكن السياحة الباريسية تقتصر على برج إيفل أو المعالم الفنية، بل شملت أيضًا "المشرحة"، التي تحوّلت آنذاك إلى ما يشبه معرضًا مفتوحًا للجثث، في عام 1804، اتخذ المسؤول الأمني لويس نيكولا دوبوا قرارًا بنقل مشرحة باريس إلى ضفة نهر السين، بالقرب من المباني الإدارية، وهناك بدأت القصة، كانت تعرض جثث المجهولين والغرقى وضحايا الجرائم، بل وحتى من نفذت بحقهم أحكام إعدام، جاءت الفكرة ظاهريًا بهدف التعرف على هوية الموتى، لكن بمرور الوقت تحولت المشرحة إلى وجهة شهيرة بين السكان والسياح، لا تقل شهرة عن قوس النصر أو كاتدرائية نوتردام.

قبل المشرحة.. كانت الإعدامات عرضًا مفتوحًا


ربما لن تكون هذه الظاهرة غريبة تماماً إذا نظرنا إلى السياق التاريخي للمدينة، فعلى مدار قرون، اعتاد الباريسيون على مشاهدة الإعدامات العلنية في الساحات العامة، بل وتحولت في بعض الفترات إلى نوع من "العروض اليومية"، حيث كانت الحشود تتجمع لمتابعة مشاهد التعذيب والإعدام بالمقصلة أو الحرق أو تقطيع الأطراف.

في زمن الثورة الفرنسية، لم تكن هذه الممارسات نادرة، بل شكلت جزءًا من الحياة اليومية في المدينة، حتى أن المقصلة نفسها أصبحت رمزًا مألوفاً في شوارع باريس.

مشرحة خلف نوتردام.. وتجربة بصرية مثيرة


بحلول عام 1868، وفي عهد البارون هوسمان، أحد أشهر المهندسين الذين أعادوا تخطيط باريس، تم افتتاح مشرحة جديدة خلف كاتدرائية نوتردام، مزودة بتقنيات "عرض" متقدمة في ذلك الوقت: 12 طاولة رخامية سوداء توضع عليها الجثث عارية لعدة أيام، خلف حاجز زجاجي يمنع الزوار من لمسها.

وكان يرش الماء على الجثث بانتظام، ليس فقط لأسباب طبية، بل لضمان استمرار "العرض" لأطول فترة ممكنة.

وقد كان من المعتاد أن يصطف الزوار في طوابير طويلة يوميا لرؤية تلك الجثث، بدافع الفضول أو التسلية أو حتى الرغبة في رؤية مصير من خالف القانون، حيث استخدمت السلطات هذه الطريقة أحيانًا كرسالة ردع للمجتمع.

من معرض للموت.. إلى دروس في التاريخ والمجتمع

ربما يبدو هذا المشهد سرياليا اليوم، لكن هذه القصة تكشف جانباً مدهشاً من تاريخ باريس الثقافي والاجتماعي، حيث امتزج الطب والترفيه والتأديب الشعبي في تجربة واحدة، استمرت لعقود قبل أن تثير الجدل في مطلع القرن العشرين، وتنتهي تدريجياً مع تغير نظرة المجتمع للموت والخصوصية والكرامة.

إنها واحدة من أغرب القصص التي تروي كيف يمكن للمجتمعات أن تتعامل مع الموت كجزء من الحياة اليومية، بل وتقدّمه كعرض سياحي مفتوح.